صرّح الدكتور محمد راشد، رئيس لجنة التدريب والتثقيف بغرفة صناعة التطوير العقاري، أن القطاع العقاري المصري يقف اليوم عند نقطة تحول تاريخية، حيث لم تعد المنافسة بين شركات التطوير تُحسم بحجم الأراضي أو عدد المشروعات أو قوة الحملات التسويقية فقط، بل أصبحت تُدار بشكل متزايد عبر القدرة على تحليل البيانات والتنبؤ الدقيق بسلوك السوق قبل حدوثه، مؤكدًا أن الخوارزميات التنبؤية المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تمثل الآن العقل الرقمي الجديد لشركات التطوير العقاري القادرة على الاستمرار في بيئة تتسم بارتفاع التكاليف، وتغير أنماط الطلب، وتسارع التحولات الاقتصادية. وأوضح أن التطور التكنولوجي والانفجار في حجم البيانات المتعلقة بالعملاء والأسعار وأنماط الشراء والمنافسين والمواقع الجغرافية خلق واقعًا جديدًا لا يمكن التعامل معه بأساليب التخطيط التقليدية، حيث أصبح القرار الاستثماري العقاري قرارًا عالي المخاطر يتطلب أدوات تحليل متقدمة تستطيع قراءة المستقبل وليس فقط تفسير الماضي.
وأضاف راشد أن الخوارزميات التنبؤية تتيح للمطورين العقاريين فهمًا عميقًا للطلب الحقيقي وليس الظاهري، بما يشمل تحديد نوع الوحدات الأكثر احتياجًا في كل منطقة، والقدرة الشرائية الفعلية للعملاء، والتوقيت الأمثل لطرح المشروعات أو المراحل الجديدة، فضلًا عن وضع سياسات تسعير ديناميكية تتكيف مع تغيرات السوق بدلًا من الاعتماد على نماذج تسعير جامدة قد تؤدي إلى ركود أو فقدان فرص بيعية كبيرة. وأشار إلى أن هذه التقنيات يمكن أن تسهم أيضًا في تقليل المخاطر التمويلية عبر توقع التدفقات النقدية المستقبلية بدقة أعلى، وتحسين إدارة المخزون العقاري، وتفادي ظاهرة الوحدات غير المباعة التي تمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على الشركات، مؤكدًا أن المؤسسة التي تمتلك قدرة تنبؤية حقيقية تستطيع تحويل عدم اليقين إلى فرصة، والتقلبات إلى ميزة تنافسية.
وذكر راشد أن إدارة المنافسة في السوق العقاري لم تعد تعتمد على ردود الأفعال أو تقليد المنافسين، بل على الفعل الاستباقي المبني على تحليل متكامل للبيانات، حيث يمكن للنماذج التنبؤية محاكاة سيناريوهات متعددة لمستقبل الطلب والأسعار وسلوك العملاء، ما يمنح صناع القرار القدرة على اختيار الاستراتيجية الأكثر أمانًا وربحية قبل ضخ استثمارات ضخمة يصعب تعديل مسارها لاحقًا.
كما أكد راشد أن التحول نحو استخدام هذه الأدوات لا يعني استبدال الخبرة البشرية، بل تعزيزها وتمكينها، بحيث يصبح القرار العقاري ناتجًا عن مزيج من الخبرة المهنية والتحليل العلمي الدقيق، وهو ما يرفع من كفاءة الإدارة ويقلل من القرارات العشوائية أو المبنية على الانطباعات.
وإختتم راشد إلى أن الشركات التي تتأخر في بناء قدراتها الرقمية والتحليلية ستجد نفسها تدريجيًا خارج دائرة المنافسة الفعلية، حتى وإن امتلكت أصولًا قوية، لأن السوق سيتجه نحو المطور الأكثر فهمًا ومرونة وقدرة على التكيف مع احتياجات العملاء المتغيرة، لافتًا إلى أن التحول الرقمي في القطاع العقاري لم يعد رفاهية أو خيارًا مستقبليًا بل ضرورة فورية تفرضها طبيعة المرحلة الحالية. واختتم تصريحه بالتأكيد على أن مستقبل التطوير العقاري في مصر لن يكون للأكبر فقط، بل للأذكى والأسرع في قراءة البيانات وتحويلها إلى قرارات استثمارية دقيقة.



