في عالم الفن العربي، تتربع أسماء قليلة على عرش الخلود، لكن عبدالحليم حافظ (1929-1977) وأم كلثوم (1898-1975) يشكلان ظاهرة فريدة: قامتان فنيتان استطاعتا أن تتحديا الزمن والموت، وتظلا حاضرتين في وجدان الجماهير بعد قرابة نصف قرن على رحيلهما. فكيف بنى كل منهما إمبراطوريته؟ وما سر الذكاء الفني الذي يجعلهما قادرين على المنافسة حتى في عصر “التيك توك”؟
من الفقر إلى النجومية: عبد الحليم حافظ
بدأ العندليب الأسمر رحلته من قرية الحلوات بالشرقية، فاقدًا لأبويه في سن مبكرة، ومصابًا بداء البلهارسيا الذي لازمه حتى وفاته. رغم هذه الصعاب، التحق بمعهد الموسيقى العربية عام 1943، وتخرج عازفًا على آلة الأبوا عام 1948. لكن نقطة الانطلاقة الحقيقية كانت في عام 1951 عندما اكتشفه الإذاعي حافظ عبد الوهاب، فارتبط اسمه به إلى الأبد، ليصبح “عبد الحليم حافظ”.
ما ميز حليم كان ذكاؤه في التنوع والتجديد. قدم أكثر من 230 أغنية، وتعاون مع نخبة الملحنين: محمد الموجي، كمال الطويل، بليغ حمدي، ومحمد عبد الوهاب. كما برز في السينما بـ16 فيلمًا، جسد فيها دور الشاب الرومانسي الحالم، مما وسع قاعدة جمهوره بشكل كبير. لكن أهم ما في استراتيجيته كان قدرته على صنع “الهوية الجماهيرية”، فقدم أغنيات وطنية رافقت ثورة 1952، وأطلق عليه لقب “مطرب الثورة”، بينما لم يتخلى عن الرومانسية العميقة في أغنيات مثل “أهواك” و”قارئة الفنجان”.
الصوت الذي أوقف القاهرة: أم كلثوم
ولدت سيدة الغناء العربي في قرية طماي الزهايرة بالدقهلية، وبدأت وهي في العاشرة تشارك والدها المؤذن في الإنشاد الديني. انتقلت إلى القاهرة عام 1921، وكونت أول تخت موسيقي لها عام 1926، قبل أن تكون أول فنانة تدخل الإذاعة المصرية عند افتتاحها عام 1934.
ذكاء أم كلثوم كان في “الاحتكار المؤسسي”. قدمت حوالي 700 أغنية، وأحيت حفلات شهرية استمرت 40 عامًا، كان المرور يتوقف في القاهرة ساعة بثها. كما أسست أول نقابة للموسيقيين عام 1943 وترأستها عشر سنوات. لكن الأهم كان “التحكم في الجودة”، فقد اهتمت بانتقاء كلمات أغانيها بعناية فائقة، وتعاونت مع كبار الشعراء: أحمد رامي (136 أغنية)، وبيرم التونسي (122 أغنية). ومع الملحنين، كانت شراكتها مع رياض السنباطي (95 لحناً) ومحمد القصبجي (70 لحناً) تنتج أعمالًا فنية عميقة مثل “الأطلال” التي صنفت ضمن أفضل 100 أغنية في القرن العشرين.

سر الخلود: الذكاء الاستراتيجي
العامل المشترك بينهما كان “الإتقان والتوقيت”. حليم استغل فترة التحولات الاجتماعية في مصر الخمسينيات والستينيات، فقدم صوتًا يعبر عن آلام الشباب وأحلامهم، مع بساطة في الأداء وإحساس مرهف. أما أم كلثوم، فقد حولت الحفلات الموسيقية إلى “طقس اجتماعي” شهري، واستخدمت الإذاعة لتصل إلى ملايين المستمعين في كل مكان.
العامل الثاني: “الشراكات الفنية الذكية”. كلاهما اختار الملحنين والشعراء بدقة، ولم يكن مجرد منفذ، بل شارك في صياغة الأعمال. حليم مع بليغ حمدي ونزار قباني في “قارئة الفنجان”، وأم كلثوم مع عبد الوهاب في “أنت عمري” بعد قطيعة دامت عقودًا.
لو كانا في عصر السوشيال ميديا
في زمن “تيك توك” و”إنستغرام”، كان عبد الحليم حافظ سيملك قدرة فائقة على “الترند”. أغنياته القصيرة العاطفية، مثل “أهواك” و”موعود”، كانت ستصبح “ريلز” فيروسية بفعل إحساسه المباشر وصدقه. كما أن أفلامه الـ16 كانت تزوده بمحتوى بصري قابل للتداول بشكل لا نهائي.
,, أما أم كلثوم، فكانت ستصنع “الحدث الشهري” على يوتيوب، حيث تبث حفلاتها مباشرةً، وتجعل الملايين يتفاعلون مع كل مقطع وكل جملة غنائية. قدرتها على خلق “الطقس الجماعي” كانت ستتجلى بشكل أقوى في عالم البث المباشر،،
باختصار، لم يصنع عبد الحليم حافظ وأم كلثوم نجوميتهما بالصدفة. كلاهما بنى إمبراطورية على أسس ثلاثة: الإتقان الفني، الذكاء الاستراتيجي في التعاونات، وقدرة فائقة على قراءة روح عصرهما. هذا ما جعلهما يعيشان بعد الرحيل، وما سيضمن لهما المنافسة حتى في عالم السوشيال ميديا، لأن الجودة والإحساس الصادق هما اللغة الخالدة التي لا تموت مع التكنولوجيا.



